كيف تدخل عشر ذي الحجة إلى يومنا؟

درس كامل

باب القرب من الله مفتوح في يومك الذي تعيشه.



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه.

تدخل علينا عشر ذي الحجة وقد لا يتغير جدول العمل، ولا تتوقف دراسة الأبناء، ولا تنتهي حاجات البيت. نسمع عن فضلها، ونحب أن يكون لنا نصيب منها، ثم نتردد: من أين نبدأ؟ وقد نظن أن اغتنامها يحتاج إلى حياة خالية من الالتزامات. لكن الذي ندعوه في المسجد هو ربنا في البيت والعمل والطريق، والعبودية تصحبنا في كل ذلك.

ثبت في صحيح البخاري، في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فضل العمل في هذه الأيام. وهذا يوقظ في القلب رغبة في القرب من الله، ويمنح الأيام المألوفة فرصة متجددة. لا نستقبل الفضل بوصفه معلومة نقولها كل سنة ثم نؤجل أثرها. نسأل أنفسنا بهدوء: أي باب من الخير أستطيع أن أفتحه اليوم؟ وما الذي يحتاج إلى إصلاح في صلتي بربي؟

أول الطريق أن نعطي الفرائض حقها. من كان يؤخر الصلاة عن وقتها يراجع ما يعينه على حفظها. ومن كان عنده حق يستطيع أداءه يبادر إليه. ومن أثقلت الخصومة قلبه ينظر فيما يقدر عليه من اعتذار أو إنصاف. هذه معان تدخل في العبودية، فلا نفصل حماستنا للموسم عن واجبات يؤلم تأخيرها غيرنا. ثم نزداد من النوافل على بصيرة وبقدر الاستطاعة.

ولنتأمل يوم العامل أو الطالب: يستطيع أن يبدأه بصلاة محفوظة، ويجعل فيه وقتًا قريبًا لقراءة القرآن، ويذكر الله في وقت مباح من طريقه، ويحفظ أمانة العمل. لا يحتاج إلى إظهار عبادته لزملائه، ولا إلى الإخلال بمسؤوليته. وإذا عرض له تعامل فيه حق لغيره، كانت التقوى حاضرة في قراره. إن تعظيم الله يظهر في السجود، ويظهر كذلك حين نرد مالًا أو نصون أمانة.

قد نضع لأنفسنا برنامجًا واسعًا، ثم يفوت يوم فنتوهم أن الموسم كله فات. الأفضل أن نختار بداية قابلة للعمل، ونعود كلما تعثرنا. قراءة قليلة نتدبرها، وذكر نحضر له قلوبنا، وصدقة نستطيعها، وصلة رحم نصلح فيها ما بيننا. لا تتساوى أحوال الناس، والمريض ومن يرعى طفلًا أو كبيرًا له يوم مختلف. نعين بعضنا على الخير ولا نجعل برنامج أحدنا ميزانًا لتدين الجميع.

وفي العشر يوم عرفة. ثبت في صحيح مسلم فضل صيامه، ويستحب لغير الحاج أن يصومه إذا استطاع. نستقبل هذا الفضل برجاء المغفرة والتوبة، ونراعي حال المريض وأصحاب الأعذار. ومن لم يستطع الصوم لا تنقطع أبواب الخير عنه. يستطيع أن يدعو ويذكر ويتوب ويحسن، وأن يفرح بما يقدر عليه من طاعة. نرجو رحمة الله ونتقرب إليه بما شرع، دون أن نحمّل أنفسنا أو غيرنا ما يعجزهم.

ورجاء التكفير لا يجعلنا نستهين بالذنب أو نؤجل رد حقوق الناس. من ظلم يحتاج إلى توبة وإصلاح، ومن قدر على رد مال لا يستبدل بذلك كلامًا عن فضل الصيام. هذا من صدق الرجوع إلى الله: أن نذهب إلى الباب الذي نحتاجه، لا إلى العمل الذي يوافق عادتنا وحدها. قد يكون أصعب ما نحتاجه في هذه الأيام كلمة اعتذار، أو إنهاء معاملة محرمة، أو التوقف عن إيذاء قريب.

وفي الأضحية يقول الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37]. الآية في شعيرة تؤدى كما شرع الله، وقلبها التعظيم والإخلاص. ومن هذه الهداية نتعلم أن صورة العمل لا تغنينا عن صدقه. نسأل الله القبول، ونبتعد عن المباهاة، ونتعلم ما نحتاجه من أحكام الشعيرة من مصدر موثوق، ونحفظ للمحتاج كرامته حين يصل إليه نصيبه من الخير.

ويمكن للبيت أن يعيش الموسم معًا دون مشقة مصطنعة. نخبر الأبناء بمعنى الأيام بلغة تناسبهم، ونقرأ شيئًا من القرآن، ونشركهم في اختيار صدقة أو مساعدة. الصغير يرى أن الفرح بالدين يمكن أن يجتمع مع الرحمة والتعاون. وقد يتعلم من مساعدة أبيه لأمه أو وفائه بوعده معنى لا تثبته موعظة طويلة. نريد للعبادة أثرًا في البيت مع بقاء القصد لله وطلب رضاه.

وللمسجد فرصة في أن ييسر أبواب العمل: درس موجز واضح، وتعريف بمحتاج يمكن دعمه بوسيلة موثوقة، ومساندة لمن لا يعرف لغة البلد أو يعيش وحيدًا. لا يلزم أن نكثر المشروعات؛ قد يكون عمل محدود نستطيع إتمامه أنفع من إعلان كبير لا يجد من يتابعه. ويشارك كل منا بحسب قدرته ووقته، مع أمانة في المال ووضوح في المسؤولية.

فلنبدأ من اليوم الذي بين أيدينا. ليختر كل واحد عبادة يحافظ عليها في هذه العشر، وحقًا أو حاجة يؤديها. يكتب لنفسه متى يبدأ، ثم يسأل الله العون والقبول. إن جاءه يوم ضعيف عاد في اليوم التالي، وإن تيسر له المزيد زاد. نسأل الله أن يبلغنا رضاه، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعل لهذه الأيام أثرًا طيبًا يبقى في قلوبنا وبيوتنا وأعمالنا.



ملاحظة للخطيب

تقدير زمن القراءة يظهر من عدد الكلمات؛ يمكن للخطيب توسيع الدرس بأمثلته. تفاصيل أحكام الأضحية خارج نطاق هذه المادة.



المصادر

صحيح البخاري، 969 — حديث صحيح في فضل العمل في العشر.
https://sunnah.com/bukhari:969

صحيح مسلم، 1162 — حديث صحيح في فضل صيام عرفة وعاشوراء.
https://sunnah.com/muslim:1162b

الحج: 37
https://quran.com/22/37