عاشوراء: ذاكرة الشكر ومسؤولية الحاضر

درس كامل

نحمل من ذكرى النجاة عبادة نشكر بها، ورحمة نعيش بها.



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه.

يروي ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قدم المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء. فسأل عن ذلك، فذكروا أنه يوم نجّى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. فقال ﷺ: «فأنا أحق بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه. هذا أصل ثابت في صحيح البخاري يفتح لنا معنى يتجاوز معرفة تاريخ في التقويم: إن نجاة موسى عليه السلام حاضرة في ذاكرة إيماننا.

نؤمن بموسى نبيًا كريمًا أرسله الله، ونقرأ خبره في القرآن، ونتعلم من رسالته توحيد الله والثبات على طاعته. هذه الصلة تعلمنا أن طريق الأنبياء يجمع الإيمان بالله وإن اختلفت الأزمنة والأقوام. وحين نروي الحديث لا نحتاج إلى تحويله إلى خصومة مع جيراننا، ولا إلى إسقاط أحوال قوم في زمن على كل من ينتسب إلى دين اليوم. نعرض هداية النص ونحفظ عدل القول.

في القصة نعمة عظيمة، وفي الصيام استجابة عملية. يسهل أن نتحدث عن الشكر ونعدد النعم، لكن العبادة تنقل المعرفة إلى حال نعيشه مع الله. نمسك عن المباح طاعة له، ونستحضر فضله، ونعترف بأننا محتاجون إليه. وليس لنا أن نقرر كل الحكمة في عبادة من عند أنفسنا، لكن الصلة بين النعمة وشكرها ظاهرة في الحديث الذي بين أيدينا.

وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ سئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: «يكفر السنة الماضية». فضل نرجو به رحمة الله، ونستقبله بصدق التوبة. وفي صحيح مسلم أيضًا عزمه على صيام التاسع في العام المقبل؛ فيستحب أن نصوم التاسع مع العاشر. نبيّن ذلك برفق ووضوح، ونساعد من يحتاج إلى معرفة الموعد، مع الرجوع في تحديد أيام الشهر إلى المرجعية التي يعتمدها الناس في بلدهم.

والصيام هنا تطوع. من كان له عذر لا نجعل عجزه موضع حرج أو حكم على إيمانه. ومن رزقه الله القدرة على الصوم لا يجعل تطوعه سببًا للتعالي على غيره. نعمة الطاعة تحتاج هي أيضًا إلى شكر، ومن شكرها تواضع القلب. نعلّم أبناءنا المعنى بحسب أعمارهم، وندعوهم إلى محبة العبادة دون مقارنة جارحة أو تحميل من لم يكلف فوق قدرته.

وقد يسأل سائل: كيف نرجو التكفير مع بقاء تقصير نعرفه من أنفسنا؟ نرجو فضل الله، ونعمل على إصلاح ما نعرفه. لا يغني صيام يوم عن توبة يحتاجها ظلم أو عن حق نقدر على رده. من كان يؤخر مال أجير أو يؤذي أهله أو ينقل الباطل يستطيع أن يجعل هذه المناسبة بداية توقف وإصلاح. لا نضيّق رحمة الله، ولا نحول الرجاء فيها إلى إذن بتأجيل الواجب.

ونقرأ في قصة النجاة قول الله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63]. هذه معجزة أكرم الله بها نبيه. نؤمن بها كما جاءت، ونتعلم من القصة الثقة بقدرة الله وطاعته. ولا نجعلها وعدًا بأن كل أزمة لنا ستنتهي بالصورة نفسها أو في الموعد الذي نحدده. نأخذ بالأسباب المشروعة، ونسأل الله الفرج، ونفوض إليه ما لا نعلم.

ومما يفتحه تذكر النجاة من الطغيان أن نصون حسنا الأخلاقي أمام الظلم. يؤلمنا ظلم البعيد، ونبذل من نصرته ما نستطيع بعدل ورحمة، ثم نلتفت كذلك إلى الأمانة التي تحت أيدينا. هل يجد الضعيف عندنا إنصافًا؟ هل نسمع شكوى من يعمل معنا؟ هل نراجع قرارًا أضر بغيرنا إذا ظهر خطؤه؟ هذا تطبيق تربوي للمعنى، نحاسب به أنفسنا دون ادعاء أننا نعرف سرائر الناس.

قد يكون الإنسان محدود القدرة أمام مأساة كبيرة، لكنه قادر على كف أذى يصدر عنه، أو رد حق، أو مساعدة موثوقة لمحتاج. وقد يكون للمسجد أو الأسرة عمل يجتمعون عليه: دعم إنسان وحيد، أو تعليم، أو مواساة متضرر. نحتاج إلى صدق البذل واستمراره، وإلى ألا نستهين بالعمل الصغير لأنه لا يغير العالم كله. قدرته محدودة، وخيره مع ذلك حقيقي في حياة من يصل إليه.

ولننظر إلى نعمة نعيشها نحن: أمان، أو صحة، أو أسرة، أو علم. كيف يظهر شكرها؟ نحفظ الصحة من إهمال نستطيع تركه، ونشكر الأمان بأن يأمن الناس أذانا، ونشكر العلم بتعليمه بأمانة. هذه أمثلة على الشكر في حياتنا، لا عبادات مخصوصة بعاشوراء ولا شروط لقبول الصوم. يحفظ هذا التمييز اتباع السنة، ويترك للمعنى أثره الواسع في السلوك.

لنحمل من هذا الدرس خطوتين متصلتين بمعناه: عبادة مشروعة نقدر عليها، وحقًا نؤديه أو أذى نكفه. وليختر كل واحد ما يعرف أنه يحتاجه، دون أن يعلن عيوبه للناس. نسأل الله أن يتقبل صيامنا، ويرزقنا التوبة والشكر، وينصر المظلومين، ويجعلنا أهل عدل ورحمة. نتذكر النجاة فتقوى صلتنا بالله، ويظهر من شكرنا خير لمن يعيش معنا.



ملاحظة للخطيب

يوسع هذا الدرس أصل المناسبة وفضل الصيام وتطبيقات الشكر؛ والخطبة الموجودة في البنك معالجة مستقلة. الأمثلة أعمال عامة، وليست سننًا مخصوصة بعاشوراء.



المصادر

صحيح البخاري، 2004 — حديث صحيح في نجاة موسى وصيام عاشوراء.
https://sunnah.com/bukhari:2004

صحيح مسلم، 1162 — حديث صحيح في فضل صيام عرفة وعاشوراء.
https://sunnah.com/muslim:1162b

صحيح مسلم، 1134 — حديث صحيح في صيام التاسع.
https://sunnah.com/muslim:1134a

الشعراء: 63
https://quran.com/26/63